٢٨‏/٠٨‏/٢٠٢٦، ٥:٥٦ م

كيف يخفي ترامب هزيمة الحرب في مضيق هرمز؟

كيف يخفي ترامب هزيمة الحرب في مضيق هرمز؟

تحول مضيق هرمز إلى واحد من أهم ساحات حرب الروايات بين إيران وأميركا. فمن جهة، تحاول واشنطن تقديم صورة عن سيطرتها الكاملة على هذا الممر المائي، ومن جهة أخرى، تشير تقارير وسائل الإعلام الغربية وتقييمات حلفاء أميركا إلى أن الواقع الميداني أكثر تعقيداً بكثير من ادعاءات البيت الأبيض.

وكالة مهر للأنباء، قسم الشؤون الدولية: تحول مضيق هرمز إلى واحد من أهم ساحات حرب الروايات بين إيران وأميركا. فمن جهة، تحاول واشنطن تقديم صورة عن سيطرتها الكاملة على هذا الممر المائي، ومن جهة أخرى، تشير تقارير وسائل الإعلام الغربية وتقييمات حلفاء أميركا إلى أن الواقع الميداني أكثر تعقيداً بكثير من ادعاءات البيت الأبيض.

ادعى دونالد ترامب في 25 أغسطس أن البحرية الأميركية تمكنت من اكتشاف وجمع أو تفجير جميع الألغام الموجودة في المياه الدولية لمضيق هرمز، وأن المضيق أصبح الآن مطهراً بالكامل. لكن تقرير بلومبرغ الصادر في 26 أغسطس وضع هذا الادعاء موضع شك كبير. ووفقاً للتقرير، يعتقد حلفاء أميركا، في تقييماتهم السرية، أن المضيق لا يزال يحتمل وجود ألغام فيه، وأن عملية التطهير لم تتمكن من القضاء على جميع الألغام الموجودة. وتشير التقديرات المطروحة إلى وجود ما بين 80 و150 لغماً.

لا تكمن أهمية هذا التقرير فقط في تفنيد ادعاء ترامب، بل في الفجوة التي أحدثتها بين الرواية الرسمية لواشنطن والتقييمات الأمنية لحلفاء أميركا. حتى القيادة المركزية الأميركية رفضت التعليق على تقدير عدد الألغام المتبقية. وفي الوقت نفسه، طلبت المنظمة البحرية الدولية من السفن توخي أقصى درجات الحذر عند عبور المضيق، وتجنب تعريض البحارة لخطر غير ضروري.

ولو كان المضيق قد طُهر بالكامل فعلاً، لكان من المنطقي أن تعود حركة الملاحة التجارية إلى وضعها الطبيعي بسرعة أكبر. لكن حركة المرور في هرمز لا تزال أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب، وتحاول أميركا حتى توجيه السفن الحذرة نحو المسار العُماني. وهذه الحقيقة تتناقض مع صورة المضيق الآمن والمفتوح بالكامل التي يقدمها ترامب.

وهنا يجب فحص الدافع السياسي وراء هذه الرواية. فالحكومة الأميركية، بعد أشهر من الحرب مع إيران، أصبحت بحاجة إلى صورة نصر أكثر من أي وقت مضى. ولو كانت الحرب ستؤدي إلى تحقيق الأهداف المعلنة لواشنطن في وقت قصير، لما كانت هناك حاجة لتقديم مثل هذه الروايات. لكن الحرب أطالت أمدها، وحتى التقارير الأميركية الأخيرة تعترف بأن العديد من الأهداف الأولية لواشنطن لم تتحقق بالكامل. وفي مثل هذه الظروف، يصبح السيطرة على الرواية الإعلامية أمراً مهماً.

يمكن رؤية ادعاء تطهير هرمز بالكامل في هذا الإطار: تحويل مشكلة لم تُحل إلى نجاح معلن. تريد واشنطن إيصال رسالة مفادها أنها لم تتمكن فقط من استهداف البنية التحتية العسكرية الإيرانية، بل سيطرت أيضاً على أحد أكثر الممرات المائية استراتيجية في العالم. وهذه الصورة يمكن أن تكون مهمة للرأي العام الأميركي، وسوق الطاقة، وحتى لحلفاء واشنطن. لكن عندما يحذّر حلفاء أميركا أنفسهم من بقاء الألغام، تواجه هذه الرواية مشكلة خطيرة: الواقع الميداني لا يريد أن يتوافق مع الرواية السياسية.

حتى مسألة الألغام أكثر تعقيداً مما يظهر في تصريحات ترامب. فالألغام البحرية لا تبقى بالضرورة في مكانها الأولي، بل يمكن للتيارات البحرية أن تنقلها. ولهذا، فإن تحديد منطقة مزروعة بالألغام وتطهير جزء منها لا يعني ضمان السلامة الكاملة لممر مائي. وقد أكد الخبراء الذين استشهدت بهم بلومبرغ أيضاً أن التطهير الكامل للمضيق، في ظل الظروف الراهنة، أمر مستبعد جداً.

من جهة أخرى، لا يقتصر التهديد على الملاحة في هرمز على الألغام فقط. فحتى في حال تراجع خطر الألغام، لا تزال السفن التجارية معرضة للطائرات المسيّرة والصواريخ قصيرة المدى، وليست جميع السفن تحت حماية دفاعية أميركية كاملة. وبالتالي، فإن تطهير الألغام، حتى لو تم بالكامل، لا يعادل تأمين المضيق بالكامل.

واللافت أكثر هو أن إيران وعُمان تتحدثان في الوقت نفسه عن إنشاء ممر بحري مؤقت وآلية مشتركة لتطهير الألغام. فإذا كانت أميركا قد طهرت هرمز بالكامل بمفردها، فلماذا لا يزال الحديث عن آلية إقليمية مشتركة لسلامة الملاحة مطروحاً؟ وهذا بحد ذاته يشير إلى أن الموضوع لا يزال يعتبر غير محلول.

في الواقع، تواجه واشنطن تناقضاً. من جهة، تريد إظهار أن الحرب أسفرت عن نتائج، وأن أميركا تسيطر على الأوضاع؛ ومن جهة أخرى، تظهر حقائق الميدان وتقارير حلفائها أن عودة هرمز إلى وضعه الطبيعي لا تزال غير مضمونة.

وبالتالي، فإن المسألة ليست فقط ما إذا كان ترامب محقاً بشأن عدد الألغام المتبقية أم لا. الأهم هو الاستخدام السياسي لقضية أمنية لبناء رواية النصر.

بعد حرب طويلة، تبحث الحكومات عادة عن مؤشرات تثبت نجاحها. والسيطرة على ممر مائي استراتيجي، وتطهيره من الألغام، وإعادة حركة الملاحة، كلها يمكن أن تكون مؤشرات من هذا القبيل. لكن إذا كان هذا النجاح يُرى في الخطب ووسائل التواصل الاجتماعي أكثر مما يُرى على أرض الواقع في حركة السفن، فإن الثقة العامة والثقة بالحلفاء ستواجهان تحدياً.

ومن هذا المنظور، ينبغي النظر إلى ادعاء ترامب ليس كحقيقة مؤكدة، بل كجزء من حرب الروايات حول نتيجة الحرب مع إيران. تحاول أميركا إخفاء تكاليف الحرب، وإطالة أمدها، والعجز عن تحقيق الأهداف المعلنة بسرعة، وراء مجموعة من ادعاءات النصر.

لكن المشكلة هي أن هرمز لا يمكن فتحه بالدعاية. فبالنسبة للسفينة التجارية، يصبح المضيق آمناً عندما تكون شركات الشحن، وشركات التأمين، والحكومات، وأطقم السفن، واثقة حقاً من سلامة المسار. ويظهر تقرير بلومبرغ بوضوح أن هذه الثقة لم تنشأ بعد. فحلفاء أميركا لا يزالون يحذرون من وجود الألغام، وتطلب المنظمة البحرية الدولية من السفن توخي أقصى درجات الحذر.

وبالتالي، إذا كانت واشنطن تسعى لإعلان نصر سريع وكامل في هرمز لتغطية تداعيات الحرب، فقد تأتي بنتيجة عكسية. لأنه كلما اتسعت الفجوة بين الادعاء والواقع، تتحول المسألة من خلاف عسكري إلى أزمة مصداقية.

وتطرح حرب الروايات في هرمز، في النهاية، سؤالاً بسيطاً: إذا كان المضيق آمناً ومطهّراً بالكامل حقاً، فلماذا لا تزال السفن تبحر بحذر، ولماذا يحذّر حلفاء أميركا من وجود الألغام، ولماذا تُجرى مفاوضات لإنشاء آلية إقليمية مشتركة لتطهير الألغام وسلامة الملاحة؟

وربما يكون الجواب على هذا السؤال أكثر أهمية من ادعاء ترامب نفسه. لأنه في النهاية، واقع هرمز لا يحدده الرئيس الأميركي ولا وسائل التواصل الاجتماعي، بل تحدده السفن التي يجب أن تعبر هذا الممر المائي.

/انتهى/

رمز الخبر 1973361

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha